Protozoa

البلازموديوم —حمى الملاريا — القصة الكاملة للطفيلي الذي حيّر العلماء لقرون


منذ آلاف السنين يُعاني البشر من وطأة مرض يُشعل الجسم حُمّى ويُغرقه عرقاً ويُوقعه في برودة لا تُحتمل — دون أن يعرفوا السبب الحقيقي. حتى جاء العالم الفرنسي Laveran عام 1880م ليكتشف لأول مرة طفيل Plasmodium في دم الإنسان، كاشفاً عن المجرم الحقيقي وراء ما بات يُعرف بـحمى الملاريا. أما تسمية المرض فتعود إلى باحثين إيطاليين لاحظوا انتشاره قرب المستنقعات، فاعتقدوا أن الهواء الفاسد هو السبب، وأطلقوا عليه Mala aria أي "الهواء الفاسد" باللاتينية.

نظرة عامة على الجنس

يضم جنس Plasmodium أكثر من خمسين نوعاً، جميعها تحتاج إلى البعوض عائلاً أساسياً وأنواعاً مختلفة من الفقاريات — وخاصةً الطيور — عائلاً وسيطاً. من بين هذه الأنواع، أربعة تُفضّل الإنسان عائلاً وسيطاً وتُسبّب له أشكالاً متباينة من الملاريا بين الحميدة والخبيثة.

دورة الحياة — رحلة بين عائلين

يحتاج طفيل الملاريا لإتمام دورة حياته إلى عائلين: الإنسان حيث تتم الدورة اللاجنسية، وأنثى بعوضة الأنوفيليس Anopheles حيث تتم الدورة الجنسية.

أولاً — دورة خلايا الكبد

تبدأ العدوى حين تلدغ أنثى بعوضة الأنوفيليس إنساناً سليماً، محقنةً إياه بالأطوار المعدية Sporozoites الموجودة في لعابها. يحتوي هذا اللعاب على إنزيم يمنع تجلط الدم ويُسهّل امتصاصه. في غضون ساعة واحدة تختفي السبوروزويتات من مجرى الدم متجهةً نحو الكبد لتبدأ ما يُعرف بـدورة الشيزوجوني الكبدية Exo-Erythrocytic Cycle.

داخل خلية الكبد يتخذ السبوروزويت — ذو الشكل المغزلي والنواة الكروماتينية — الشكلَ الحلقي أولاً ويُسمى Young Trophozoit، ثم يتحول تدريجياً إلى الشكل الأميبي Old Trophozoit. يتغذى على الخلية الكبدية وينمو حتى تنقسم نواته إلى أعداد كبيرة مُكوِّنةً الشيزونت الكبدي Schizont، الذي يحتوي بكامل نضجه على ما بين 10,000 و40,000 ميروزويت. تنفجر الخلية الكبدية في النهاية محررةً هذه الميروزويتات نحو الجيوب الكبدية، وتستغرق هذه المرحلة نحو تسعة أيام في المتوسط.

بعد ذلك إما أن تنتقل الميروزويتات إلى مجرى الدم لتهاجم كرات الدم الحمراء، أو تعاود مهاجمة خلايا الكبد مُكرِّرةً الدورة في ما يُعرف بـالمرحلة النسيجية الثانوية.

ثانياً — دورة كرات الدم الحمراء

حين تهاجم الميروزويتات كرات الدم الحمراء تبدأ دورة الشيزوجوني الدموية Erythrocytic Cycle. يتحول الطفيل داخل كرية الدم إلى الشكل الحلقي Ring Stage بظهور فجوة في وسطه وانتحاء النواة جانباً، ثم يتحول إلى الطور الأميبي Trophozoit. بعد ساعات يملأ الطفيل الكرية بأكملها وتنقسم نواته مُكوِّنةً الشيزونت، الذي ينتج بدوره ميروزويتات جديدة. تنفجر الكرية محررةً الميروزويتات إلى جانب مواد سامة كـالهيموزوين Haemozoin — ناتج هضم الهيموجلوبين — وهنا تظهر أعراض الملاريا المعروفة من ارتفاع في الحرارة وقشعريرة وعرق غزير.

تتكرر هذه الدورة بانتظام، وتتراوح مدتها بين 24 و72 ساعة تبعاً لنوع البلازموديوم — وهو ما يُفسّر ظهور نوبات الحمى على فترات منتظمة ومتوقعة.

ثالثاً — دورة التكاثر الجنسي داخل البعوضة

بعد عدة دورات دموية تتحول بعض الميروزويتات بدلاً من تكوين شيزونت إلى مكوّنات الأمشاج المذكرة Microgametocytes والمؤنثة Macrogametocytes. حين تمتص البعوضة دماً يحتوي على هذه الأمشاج الناضجة تبدأ الدورة الجنسية داخل أمعائها.

تتكون الأمشاج المذكرة والمؤنثة ويتم الإخصاب مُنتجاً زيجوتات Zygotes تتحول إلى أطوار نشطة الحركة تُعرف بـOokinetes، تثقب جدار معدة البعوضة لتستقر على سطحها الخارجي مُكوِّنةً الـOocysts. ينقسم كل كيس منها إلى سبوروبلاستات Sporoblasts تنقسم بدورها مُنتجةً أعداداً هائلة من السبوروزويتات Sporozoites. ينفجر الغشاء المحيط بها فتنطلق في دم البعوضة حتى تصل إلى الغدد اللعابية، لتنتظر هناك انتقالها إلى عائل جديد عند اللدغة القادمة.

الأنواع الأربعة المصيبة للإنسان

بلازموديوم أوفال P. ovale — نادر الحدوث ويتركّز في المناطق الاستوائية الأفريقية. تظهر نوبة الحمى في بداية اليوم الثالث وتُعرف بـالحمى الثلاثية الأوفالية Oval Tertian Malaria.

بلازموديوم فيفاكس P. vivax — مسؤول عن 43% من حالات الملاريا البشرية. ينتشر في المناطق المعتدلة والاستوائية وتظهر حُمّاه الخفيفة في اليوم الثالث، لذا تُسمى الحمى الثلاثية الحميدة Benign Tertian Malaria.

بلازموديوم ملاريا P. malariae — مسؤول عن 7% من الحالات. يوجد في المناطق المعتدلة بأعداد محدودة وتظهر حُمّاه في بداية اليوم الرابع وتُعرف بـالحمى الرباعية Quartan Malaria.

بلازموديوم فالسيباروم P. falciparum — الأكثر انتشاراً والأشد خطورة، إذ يتسبب في 50% من الحالات. دورته غير منتظمة وتظهر الحمى كل 36 إلى 48 ساعة، وتُعرف بـالحمى الثلاثية الخبيثة Malignant Tertian Malaria. ينتشر في المناطق الاستوائية.

البلازموديوم في الحيوانات

لا يقتصر جنس Plasmodium على الإنسان — فثمة أنواع أخرى تُصيب الحيوانات، أبرزها P. bubalis الذي يُصيب الجاموس، وP. canis الذي يُصيب الكلاب والخيول، وP. praecox الذي يُصيب الطيور، فضلاً عن أنواع أخرى متعددة تُصيب حيوانات مختلفة حول العالم.

خلاصة

يُجسّد طفيل البلازموديوم واحداً من أكثر النماذج البيولوجية تعقيداً وإثارة في عالم الطفيليات. دورة حياته المزدوجة بين الإنسان والبعوضة، وقدرته على التهرب من الجهاز المناعي، وتنوع أعراضه بحسب النوع — كل ذلك يجعله موضوع دراسة لا ينضب للباحثين في الطب والأحياء الدقيقة، وهدفاً رئيسياً لمنظمة الصحة العالمية في مساعيها للقضاء على الملاريا.

تعليقات